
اليوم هو اليوم الثاني بعد الأربعين من الالتزام بنظام البكور الذي بدأته منذ يوم السبت 8 سبتمبر عام 2026م .
لقد آثرت الانتظار أكبر قدر من الأيام حتى أحكي عن هذه التجربة وأدونها بعد أن أكون قادراً على الإحاطة بجميع جوانب هذا النظام، والآن أرى أن الوقت أصبح مناسباً للحديث عن تجربتي بشكل أوسع وأدق .
لا أخفيكم سراً أنني قبل هذا التاريخ بسنوات كنت أحاول جاهداً الانضباط في مواعيد النوم والاستيقاظ ، لكنني كنت أفشل في كل مرة ، بسبب أنني ومنذ نشأتي لم التزم بنظام واحد لمدة أربعة أيام متتالية.
ولم أكن أحب الالتزام .. وأشعر أنه أحد القيود المملة .. حتى عندما توظفت لم أكن منضبطا بما يكفي ، وكنت أسوق نفسي سوقاً نحو النوم وهي ترفض وتتمنع، فكنت أحيانا أنام بعد عودتي من العمل واستيقظ بعد منتصف الليل، وأحيانا أنام الساعة الثالثة صباحا واستيقظ مثقلا بالنوم …. وهكذا كنت أقضي أيامي في صراع نفسي وتحت الضغط دون أن أشعر .. وحينما أجبر نفسي على النوم مبكراً ، كانت ساعتي البيولوجية تعاني الأمرين ، فلا تدري على أي وقت تضبط نومي، فكنت أقضي الساعات الطوال على السرير أتقلب يمينا ويساراً ولا أجد النوم. وما أن تأتي إجازة نهاية الأسبوع تتغير المواعيد رأساً على عقب، فلم يكن لي موعداً ثابتاً أضبط به نفسي وتسكن فيه روحي .. لذلك كانت بلا شك حياتي فوضوية وعشوائية ، وسجلي الوظيفي في الحضور والانصراف لا يعكس شخصيتي وجودة عملي وإتقاني .. لا يمكن لأي شخص أن يكون منضبطا في أي شيء إذا لم يضبط مواعيد نومه واستيقاضه حتى في أوقات الإجازات
لقد كانت الحياة التي نشأنا عليها والمجتمع الذي من حولنا يكرس هذه الفوضى وينميها .. لدرجة أنك تشعر أن من يخرج عن هذه الفوضى ليس على صواب ، وأن الصحيح أن تبقى معهم على نفس الخطأ .. تسهر ليلاً، وتنام صباحاً .. والسهر هنا ليس الذي يقصد الإمام الشافعي في قوله : (من طلب العلا سهر الليالي ) بكل تأكيد طبعاً
فلو كان السهر للمذاكرة أو التخطيط أو للعبادة ، لما كان هذا حالنا بطبيعة الحال ، بل من الضياع والتوهان أن يكون السهر هدراً للوقت بلا فائدة .
حسناً لو أعدنا التاريخ إلى قبل مئة سنة من الآن ، لوجدنا أن المجتمعات من شرق الكرة الأرضية إلى غربها ، ومن شمالها إلى جنوبها يعسشون يومهم على الفطرة السليمة ، في انضباطية عالية وأيام روتينية مكررة ولا يسهر الليل إلا المريض أو صاحب الحاجة .. هذه الفطرة .. ومن نافلة الحديث شرح فوائد البكور الصحية والنفسية ولا حاجة لذلك الآن .
في هذا الزمن تغيرت الحياة وفق المستجدات التي طرأت على الجميع ولتوفر أسباب الراحة والرفاهية والكهرباء ، ولم تعد هناك حاجة إلى النوم ليلاً بعد أصبحت البيوت توفر نفس السكينة والهدوء والأمان في جميع الأوقات من اليوم ، فأصبحنا قادرين على النوم في الصيف ظهراً تحت برودة المكيف وبغرفة مظلمة لا تتسرب لها أشعة الشمس ولا ضوئها .. بدون الحاجة إلى انتظار هدوء الليل وظلامه وسكونه ..
هذا الأمر جديد على الإنسانية ولم تعتد عليه بعد ، فلو راجعنا عمر الانسان منذ أن خلقه الله قبل آلاف السنين سنرى أن التغيير هذا نسبته لا تتجاوز الواحد بالمئة من عمر الانسان على الأرض .. ومن المعروف علميا وطبيا أن الأضرار لا تظهر إلا بعد سنوات طويلة .. والله أعلم ماذا ينتظر الأجيال التي ستأتي بعدنا .. ومما قاله الشيخ محمد بن عثيمين في هذا الشأن : (السهر يهدم الجسم، ويؤثر عليه تأثيرًا بالغًا، فربما لا يظهر الأثرُ في الوقت الحاضر أو القريب، ولكن في المستقبل.) اهـ
كذلك سوف أشارككم هذا المقال الذي يتحدث عن السهر فيما لا فائدة منه للدكتور عبدالرحمن الحازمي : (إن من المآسي التي عمت في بعض المجتمعات الإسلامية السهر فيما لا فائدة منه، حتى أصبح عادة مألوفة وأسلوب حياة، وهذه مخالفة صريحة لسنن الله تعالى وتوجيهاته المنظمة لشؤون الحياة، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ﴾ [الفرقان: 47] [1]، وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [النبأ: 9 – 11] [2].
ولا شك أن لذلك تأثيراً سلبياً كبيراً على حياة الناس، فتضيع بسببها الكثير من الفرائض الشرعية، والعبادات المختلفة، والخيرات والبركات، وينعكس ذلك على تقدم المجتمع ورقيه، وقد حذر الله تعالى المخالفين لأمره وتوجيهاته بالفتنة والعذاب الأليم، فقال تعالى: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63] [3].
وسأشير إلى بعض التوجيهات الشرعية، والجوانب المهمة لهذه الظاهرة، ومنها:
أولاً: عَنْ أَبِي بَرْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا[4].
ثانياً: مظنة تضييع صلاة الفجر، والتي راتبتها لها ما لها من الأجر العظيم كما أخبر عنها الرسول – صلى الله عليه وسلم -: “رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا“.[5] فكيف بها هي!!!
ثالثاً: قال صلى الله عليه وسلم: “بُورِكَ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا“[6]، وفي هذا الحديث توجيه على أهمية العمل وقت البكور، والسهر ُيحرم الإنسان من هذه الفضيلة، وإن قام مبكراً أثّر ذلك على كفاءة العمل وجودته.
رابعاً: مما تتميز به الدول المتقدمة، تنظيم حياتها الاجتماعية، والعناية بالنوم المبكر، وعدم السهر إلا في وقت الإجازات.
خامساً: السهر دأب أهل الفساد، والقلوب الغافلة عن عبادة الله تعالى.) أهـ
حسناً .. لقد آمنت إيمان لا يخالطه شك ولا يمازجه ريب أنني حتى أحسّن من حياتي وأطورها لا بد لي من الانضباط ولن يأتي ذلك إلا بتحديد مواعيد النوم والاستيقاظ ، وحاولت مراراً وتكراراً منذ سنوات على الإلتزام ولكنني كنت أفشل في كل مرة ، وبقيت خططي وأحلامي معلقة .. وبعد التشخيص وجدت أن الانضباط لن يأتي إلا إذا قمت في ساعة محددة يومياً .. وحينما بدأت في ذلك فعلياً سهل علي النوم مبكراً .. ومنذ ذلك الوقت أصبحت ملتزما طيلة الفترة الماضية ولم أجد صعوبة في النوم ولله الحمد .
ومن أهم الأشياء التي كسبتها خلال فترة الالتزام هي أداء صلاة الفجر في المسجد وكذلك الذهاب إلى العمل مبكرا والنشاط في أداء العمل، والأهم من ذلك كله أنني أصبحت أعيش يومي وأنا أعرف متى يبدأ ومتى ينتهي .. وهذا الأمر قد يبدو بسيطا لمن اعتاد عليه منذ صغره، لكنه بالنسبة لي كان تغييرا كبيرا جدا، لأنني طوال السنوات الماضية لم أكن أملك هذه الميزة، بل كان يومي مفتوحا على جميع الاحتمالات، أنام متى ما غلبني النوم وأستيقظ متى ما اضطررت إلى الاستيقاظ، وأحيانا أقضي يومي كله وأنا أحاول معالجة خطأ ارتكبته في الليلة السابقة.
أما الآن فقد تغير الأمر تماما .. أصبحت أعرف أن هناك ساعة محددة يجب أن أكون فيها على فراشي، وساعة أخرى يبدأ عندها يومي، ولا فرق عندي بين يوم عمل ويوم إجازة، لأنني اكتشفت أن الخطأ الذي كنت أرتكبه سابقا هو أنني كنت أتعامل مع النوم المبكر على أنه مرتبط بالعمل، فإذا جاءت الإجازة انتهى السبب وعدت للسهر، ثم أبدأ مع أول يوم عمل رحلة جديدة لإصلاح ما أفسدته في يومين!
ومن الأشياء التي اكتشفتها خلال هذه التجربة أنني كنت أفهم النوم بطريقة خاطئة .. كنت أظن أن المهمة الأصعب هي أن أجبر نفسي على النوم في ساعة محددة، ولذلك كنت أدخل إلى فراشي مبكرا وأنتظر النوم فلا يأتي، ثم أبدأ في التقلب والنظر إلى الساعة وأشعر بالضيق، وربما مرّت ساعة أو ساعتان وأنا على هذه الحال، ثم أستسلم في النهاية وأعود إلى هاتفي أو أي شيء آخر.
لكنني هذه المرة غيرت الطريقة ..
لم أجعل المعركة مع ساعة النوم بل جعلتها مع ساعة الاستيقاظ.
قررت أن أستيقظ في موعدي مهما كانت الساعة التي نمت فيها، ومع مرور الأيام بدأ جسمي بنفسه يطالب بالنوم مبكرا، وأصبح الأمر الذي كنت أحاول فرضه على نفسي بالقوة يحدث بصورة طبيعية، فإذا اقترب موعد النوم بدأت أشعر بالنعاس، وإذا جاء الصباح أصبح الاستيقاظ أسهل بكثير مما كان عليه في البداية.
وهنا فهمت شيئا مهما جدا .. وهو أن بعض المشكلات التي نحاول حلها مباشرة ربما يكون حلها في مكان آخر تماما.
كنت طوال سنوات أحاول إصلاح بمحاولة النوم مبكرا، بينما كان علي أن أصلحه بالاستيقاظ مبكراً .. وهنا الفرق
ولم تكن الأربعون يوما كلها مثالية بطبيعة الحال، ولم أتحول فجأة إلى إنسان آخر، فما زالت هناك أيام أشعر فيها بالكسل وأيام أتمنى لو أبقى في فراشي مدة أطول، وأحيانا تأتي ظروف تغير شيئا من البرنامج، لكن الفرق أن الاستثناء هذه المرة لم يعد يتحول إلى قاعدة.
في السابق كانت ليلة واحدة من السهر كافية لهدم كل شيء، فإذا سهرت يوم الخميس مثلا قلت لا بأس، غدا إجازة، ثم يمتد السهر إلى الجمعة، وبعدها يأتي السبت وأنا أحاول الاستيقاظ للعمل بجسد لم يفهم بعد ماذا حدث له .. ثم أقضي بقية الأسبوع أحاول العودة إلى النظام، وقبل أن أنجح تأتي إجازة نهاية الأسبوع من جديد! وهكذا دواليك
أما الآن فأصبحت أنظر إلى موعد الاستيقاظ باعتباره أحد ثوابت اليوم، وليس قرارا أتخذه كل ليلة، أو خياراً يخضع للمزاج والحالة النفسية
ولعل هذا هو أكبر درس خرجت به من التجربة حتى الآن.
الانضباط لا يعني أن تستيقظ كل صباح وأنت ممتلئ بالحماس، ولا يعني أنك ستشعر دائما بالرغبة في فعل الشيء الصحيح، بل ربما يكون معنى الانضباط الحقيقي أن تفعل الشيء في الوقت الذي حددته له سواء رغبت نفسك بذلك أم لم ترغب.
وهذه الفكرة لم تتوقف عند النوم فقط ..
بدأت أشعر أن يومي أصبح أوسع، وأن الساعات الأولى من الصباح مختلفة تماما عن بقية ساعات اليوم، ففي الوقت الذي كنت أستيقظ فيه سابقا مثقلا بالنوم مستعجلا للحاق بالعمل، أصبحت أستيقظ ولدي مساحة من الوقت لا ينازعني فيها أحد، أصلي الفجر وأبدأ يومي بهدوء، ثم أذهب إلى عملي دون ذلك الشعور القديم بأنني أبدأ يومي متأخرا وأحاول طوال الوقت اللحاق به.
لم أعد أبدأ صباحي بذلك التوتر الذي يصاحب التأخير والاستعجال ومراقبة الساعة، وهذا بالنسبة لي مكسب كبير، لأن المشكلة لم تكن في قدرتي على العمل ولا في حرصي على إتقانه، وإنما كانت في النظام الذي يسبق العمل كله.
كذلك تغيرت نظرتي إلى الليل .. فلم أعد أشعر أن النوم المبكر يعني أنني أخسر جزءا من يومي، وهذه كانت من الأفكار التي جعلتني أقاوم النوم سنوات طويلة، بل أصبحت أرى أنني لا أخسر تلك الساعات وإنما أنقلها من آخر الليل إلى أول النهار، والفارق بينهما كبير.
ساعة أقضيها بعد منتصف الليل وأنا أقلب هاتفي بلا هدف ليست عندي كساعة أعيشها بعد الفجر وأنا بكامل نشاطي وهدوئي.
ولعل أكثر ما أسعدني في هذه التجربة هو صلاة الفجر في المسجد .. فقد أصبحت جزءا من البرنامج اليومي وهذا وحده بالنسبة لي سبب كاف يجعلني أتمسك بما وصلت إليه، لأنك حين تبدأ يومك بالصلاة ثم ترى الناس يعودون إلى بيوتهم والشوارع ما زالت هادئة والنهار لم يبدأ بعد، تشعر أن أمامك يوما كاملا لم يستهلك منه شيء.
لقد قضيت سنوات طويلة وأنا أضع الخطط وأحدد الأهداف وأفكر فيما أريد أن أكون عليه، وفي كل مرة كنت أبحث عن أشياء كثيرة أغيرها في نفسي دفعة واحدة .. أريد أن أقرأ أكثر وأتعلم أكثر وأنتظم في عملي وأمارس الرياضة وأتخلص من العادات السيئة وأستثمر وقتي، ثم أبدأ بكل شيء في وقت واحد ولا يمر وقت طويل حتى تتساقط الخطط واحدة بعد الأخرى.
أما هذه المرة فقد بدأت من شيء واحد فقط ..
أن أستيقظ في موعدي.
لا أعرف ماذا ستكون نتيجة هذه التجربة بعد ستة أشهر أو سنة، ولذلك لن أسبق الأيام وأكتب نتائج لم أعشها بعد .. ولكنني أعرف جيدا الفرق بين الرجل الذي كان ينام في الثالثة صباحا ثم يستيقظ مثقلا ليبدأ يومه، وبين الرجل الذي يكتب هذه الكلمات اليوم بعد أكثر من أربعين يوما من الالتزام.
ختاماً سأقول إنني بدأت حياة جديدة يكون للصباح فيها موعد، وللنوم موعد، ولليوم بداية ونهاية.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة أشعر أنني لا أطارد يومي ..
بل أسبقه.



اترك رد